عامان تحت الحصار ثمنا لاختراق حساب فيسبوك

منذ صيحات الحرية الأولى التي انطلقت بها حناجر الناشطين والمتظاهرين, كان علينا جميعا اتخاذ أسماء مستعارة لتجنب مصيرٍ يعرف السوريون الكثير عنه. كان الانخراط في العمل الثوري السلمي جريمة قد يدفع الثائر حياته ثمناٌ لها. أصبح فيسبوك هو المكان الذي يجتمع فيه السوريون للتنسيق والنقاش ومشاركة الأخبار وتوثيق أحداث ثورتهم وانتهاكات النظام ضدهم. كانت صفحات التنسيقيات على فيسبوك هي نافذة السوريين إلى العالم وإلى بعضهم البعض, وكان يديرها ناشطون ميدانيون سلميون, كرسوا حياتهم لثورتهم.

لم نكن نعرف أن النظام يشن علينا حرباً أخرى في الفضاء الافتراضي, وأن جنوده ينتشرون بيننا, يراقبون تحركاتنا الافتراضية, يرصدون ما نكتب وما نقول, ويسعون لاختراق مجموعاتنا بهدف الحصول على معلومات تساعد النظام في قمع الثورة والحد من انتشارها. لم يكن هذا هو الهدف الوحيد, فقد اتخذ البعض من هذا مصدراً لابتزاز الناشطين للحصول على المال مقابل عدم اعتقالهم.

ذات يوم, رأيت رابطاً على صفحة أحد الأصدقاء الذي اثق بهم يدعي أنه رابط لشريط مصور حول معتقلاتٍ يتم تعذيبهن في سجون النظام. كانت أختي الصغرى قد اعتقلت قبل ذلك بسبب نشاطها المدني الثوري, وكنا نتلهف لسماع خبر عن مصيرها أو معرفة مكان اعتقالها. نقرت على الرابط وسرعان ما ظهرت لي صفحة طلبت مني تسجيل الدخول في فيسبوك لأتمكن من مشاهدة الفيديو! كانت ذلك خدعة بالطبع وأصبحت كلمة السر الخاصة بحسابي على فيسبوك بحوزة أحدهم. سارع المهاجم إلى عزلي أنا وزملائي الناشطين من إدارة صفحة التنسيقية الخاصة بمدينتنا والتي كنت أديرها, وأرسل لي رسائل تهديد وابتزاز. اطلع المهاجم على رسائل كثيرة تبادلتها مع أصدقاء وأقارب واستطاع من خلالها التعرف على شخصيتي الحقيقية, وعرف صلتي بأختي المعتقلة. طلب مبلغاً من المال مقابل عدم إبلاغ أجهزة أمن النظام عني. لكنني لم أرضخ لابتزازه, فما كان منه إلا أن قام بالإبلاغ عني فعلاً, وسرعان ما وصلني إبلاغ بالحضور إلى أحد الأفرع الأمنية للمراجعة. نصحني الجميع بعدم الذهاب لأن مصير الناشطين الذين يديرون هذه الصفحات هو الموت في سجون النظام.

قمنا بالتواصل مع أحد الأشخاص الذي ساعد في استعادة الصفحة, لكن عملنا أصبح مكشوفا, ووضع اسمي في قوائم المطلوبين على الحواجز.

كانت مدينتي الثائرة قد أصبحت محاصرة تماماً من قبل قوات النظام, وبدأ القصف يشتد عليها في تلك الفترة نظراً للمقاومة المسلحة التي كانت قد نشأت فيها بعد الكثير من القصف والاعتقال والتنكيل الذي حل بأهلها الثائرين على الاستبداد. بدأ الناس بالنزوح ومغادرة المدينة, لكنني لم أتمكن من ذلك لأن النزوح يعني المرور على حواجز النظام والوقوع في قبضة قواته. بقيت في مدينتي مع زوجي وأولادي, واضطررنا بعد فترة للانتقال من منزلنا إلى قبو أكثر أماناً, وقمنا بوضع أكياس من الرمل حول نوافذه ومداخله  إمعاناً في تحصينه, لتجنب القصف العنيف الذي كان يصب على المدينة يوميا.

مرت الأيام ورحل الكثيرون إلى أماكن أكثر أماناً, وبدأ النظام يستخدم البراميل في قصفه للمدينة بعد اشتداد عود المقاومة المسلحة فيها, وأصبحت الحياة أكثر استحالة في ظل ظروف من الحصار والقصف والموت المحدق.

أصبح الطعام نادرا, ولم نعد نتوفر على وقود التدفئة أو الدواء, ولم تعد هناك مدارس وكل ما حولنا كان براميل الموت التي تدمر البيوت وتحصد الأرواح دون تمييز.

لقد أصبح الرحيل أمراً لا مفر منه. لم نكن نرغب  في الرحيل, ولم نكن نرغب بمغادرة مدينتنا وثورتنا. ولطالما قلنا لبعضما البعض أننا سنموت هنا, حيث ولدنا وعشنا وثرنا وتنفسنا الحرية لأول مرة! لكن لا بد مما ليس منه بد.

ذات مساء انطلقنا قاصدين لبنان بعد أن رتبنا أمور سفرنا خلسة مع بعض الأصدقاء. كانت رحلة صعبة عبر الجبال الوعرة, فجيش النظام يحيط بالمدينة من كل جانب ولا تعرف متى تطالك رصاصة تنهي حياتك, والدخول إلى لبنان ليس أقل خطرا في ظل تورط حزب الله في الحرب إلى جانب النظام.

وصلنا لبنان وأصبحنا في أمان نسبي, لكن خطأ صغيرا لم أدرك حجمه في حينها, جعلني حبيسة الحصار والجوع لشهور طويلة, طويلة.

عن عملنا

أخبار وتنبيهات رقمية

موارد المساعدة الذاتية

الدعم الرقمي

التدريب والعيادات

المساعدة الطارئة