الخصوصية من منظور حقوق الإنسان

“لا يجوز تعريض  أحد لتدخُّل تعسُّفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمسُّ شرفه وسمعته. ولكلِّ شخص الحق في أن يحميه القانونُ من مثل ذلك التدخُّل أو تلك الحملات”.

المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان


في عام ١٣٦١م, صدر أول قرار قضائي يجيز اعتقال المتنصتين, وفي عام ١٧٦٥ قام القاضي الإنجليزي اللورد كاميرون برفض طلب من الشرطة  باقتحام منزل أحد المواطنين ومصادرة أوراقه, وكتب في معرض مذكرة القرار ” يمكننا القول بثقة بأنه ما من قانونٍ في هذه البلاد يعذر  هؤلاء فيما يقومون به, وإن كان الأمر كذلك, فإن ذلك سيعصف بكل أسباب الطمأنينة في هذا المجتمع, حيث أن الأوراق هي الأشياء الأعز إلى أنفسنا نحن البشر”.اقترن مفهوم الخصوصية عبر تطوره في المراحل المختلفة بفكرة الحرية, ففي عام ١٨٩٠ وضح القاضي الأمريكي لويس برانديس أن الخصوصية هي “ترك المرء وشأنه”, وبأن الخصوصية هي أعز الحريات في المجتمعات الديمقراطية, وبأنه يرى بأنه يجب لحظها في الدستور. وفي عام ١٩٦٧,  في كتابه حول الخصوصية والحرية, كتب ألان ويستن بأن الخصوصية هي رغبة الأشخاص بأن يختاروا بملء حريتهم الظروف التي يتم بموجبها الكشف عن أنفسهم, ومواقفهم, وسلوكهم للآخرين

أما البرلماني الإنكليزي ويليام بيت فقد كتب عن حق الإنسان بالخصوصية  يقول ” يمكن لأفقر الرجال في هذه البلاد أن يتحدى من منزله كل قوى العرش. قد يكون هذا المنزل هشاً, يترنح سقفه, وقد يدخله المطر وقد تدخله الرياح, لكن ملك إنكلترا لا يستطيع الدخول إليه, ولن تستطيع كل قواته اجتياز عتبة هذا البيت الآيل للسقوط”.

تلك الإرهاصات قدمت لما أتى بعدها لتشريع  الخصوصية كحق مكتسب للإنسان في وطنه, ولاحقا على مستوى العالم.

ما هي الخصوصية

على الرغم من وجود تعريفات تختلف من بلد لآخر للخصوصية, إلا أنه يمكن القول بأن الخصوصية هي رسم  الحدود التي تنظم قدرة المجتمع على التدخل في حياة الفرد, وهي ذات وجوه أربعة:

  • خصوصية المعلومات, وهي تعنى بوضع القواعد التي تنظم جمع المعلومات الشخصية وتداولها كالبيانات المالية أو الصحية للشخص.
  • خصوصية الجسد, وتعني حماية الأشخاص من التدخل الفيزيائي مثل إجبارهم على تعاطي أدوية معينة أو الخضوع لفحوصات تسوس الأسنان مثلا دون موافقتهم.
  • خصوصية الاتصالات والتواصل,  والتي تشمل خصوصية وأمن المراسلات مثل البريد الإلكتروني والاتصالات الهاتفية و أشكال التواصل الأخرى
  • خصوصية الحيز المكاني, والتي تشير إلى التدخل في الحيز الذي يشغله الإنسان كمنزله أو مكان عمله.

هل الخصوصية حق أساسي؟

نعم, الخصوصية حق أساسي من حقوق الإنسان, وعليها تبنى الكثير من الحقوق الأخرى, وهي أساس لحماية كرامته واستقلاله. الخصوصية هي التي تسمح لنا برسم الحدود التي تمكننا من حماية أنفسنا من التدخلات غير المرغوب فيها في حياتنا, وهي التي تمكننا من تحديد هويتنا الفردية وكيف نرغب بأن نتعامل ونتفاعل مع محيطنا. وتساعدنا الخصوصية في رسم الحدود التي  نقرر بموجبها من يستطيع الوصول إلى أجسادنا, أو منازلنا, أو اتصالاتنا ومعلوماتنا. إن القوانين والقواعد التي تحكم الخصوصية هي التي تمكننا من تثبيت حقوقنا في وجه اختلال توازنات القوى المختلفة التي تتحكم بالمجتمع. وعليه, فإن الخصوصية هي أداة جوهرية نستطيع من خلالها حماية أنفسنا وحماية المجتمع من الاستخدام العشوائي وغير المبرر للقوة, من خلال تقليل ما يمكن معرفته عن أنفسنا أو القيام به بحقنا, بينما نحمي أنفسنا من الجهات التي قد ترغب بالتحكم بنا. إن الخصوصية جوهرية بالنسبة لنا كبشر, ونحن في كل يوم نتخذ قرارت تتعلق بها. فهي التي تمنحنا فضائنا الخاص الذي نحتاج  بعيدا عن الأحكام المطلقة التي يصدرها الغير, وهي التي تضمن لنا التفكير بحرية دون تمييز, وهي التي تكسبنا القدرة على التحكم بما يعرفه الآخرون عنا.

ما هو سبب أهميتها؟

إن الجدل القائم حول الخصوصية في مجتمعنا المعاصر نقاش حول الحريات. فإننا حين نسعى لوضع الحدود حول أنفسنا لحماية الفرد, وحماية قدرته على أن يكون في موقع القرار في شؤونه الخاصة وما يمكن أن يتعرض له, فإننا بذلك ننخرط في نقاش حول أمور جوهرية تمس الأسس الأخلاقية للحياة المعاصرة والقواعد التي تحكم العمل التجاري, والقيود التي نضعها على قوة الدولة وقدرتها على في حياة الفرد.  وفي هذا السياق تشكل التكنولوجيا صنواً لهذا الحق, فقدرتنا على حماية خصوصيتنا أصبحت أكبر اليوم, لكن القدرة على الرقابة والتعدي على هذه الخصوصية تفوقها على نحو غير مسبوق.

أمسى باستطاعتنا اليوم, التعرف على أفراد بعينهم في خضم بحر من البيانات العامة, وبالمقابل لدينا القدرة على اتخاذ القرارات بشأن  أشخاص بناء على جموع كبيرة من البيانات (البيانات الضخمة) . فبإمكان الشركات والحكومات أن تراقب كل محادثة نقوم بها, وكل عملية تجارية, وكل مكان نزوره.  قد تقود هذه القدرات إلى مضاعفات سلبية بالنسبة للأفراد, أو الجماعات أو المجتمع بشكل عام, حيث يصبح التعميم والتمييز والإقصاء أمراً أكثر سهولة. وهذا يؤثر أيضا على منظورنا لعلاقتنا مع السوق, والدولة والمجتمع. وإذ تصبح المؤسسات التي نعتمد عليها على معرفة كبيرة بتاريخنا, و تحركاتنا وتستطيع التنبؤ بمستقبلنا, فإن خللا أكبر سيصيب توازنات القوى في المجتمع ما سيفضي إلى تلاشي قدرة الأفراد في وجه قدرات المجموعات والشركات والدولة وسيؤدي إلى إقصاء السلوكيات المغايرة والمخالفة للنمط السائد بعد معرفته (الإرهاب, اللون, التوجه الجنسي) ا. ولعل التحدي الأكبر للخصوصية يمكن في أن هذا الحق يمكن أن يتعرض للانتهاك دون معرفة صاحبه بذلك على الإطلاق, فعندما يتعلق الأمر بالحقوق الأخرى فأنت تعلم ما يحدث لك وتعرف من هو الذي ينتهكها.

وعلى تلك الشاكلة, فإن الجهات التي تراقبنا لا تطلعنا على ذلك, ولا نملك القدرة على مساءلة هذه الأفعال,  فأعمال الرقابة التي كانت تمارس في الماضي بسرية وحذر لأنها تنتهك أسس المجتمع الديمقراطي, أصبحت اليوم حالة تلقائية في  سياقات شتى.

الخصوصية والقانون

كما ذكرنا سابقا, فإن الخصوصية حق تكفله شرائع حقوق الإنسان,  وهي تتصل بحقوق جوهرية أخرى كحق التعبير وحرية الرأي والتجمع. ومع تطور تكنولوجيا المعلومات وما تبع ذلك من تطورات طالت الخصوصية, فإن الموضوع أصبح واحدا من أكثر موضوعات حقوق الإنسان إلحاحا وحضورا في منابر النقاش في عصرنا الحالي.

نماذج حماية الخصوصية في التشريعات الوطنية للدول

نجد في قوانين كل الدول تقريبا موادَ  تتحدث عن الخصوصية وتقر بها كحق أساسي, وهي في حدها الأدنى تضمن خصوصية المسكن والمراسلات, لكن الدساتير التي دونت حديثا في دول مثل جنوب أفريقيا أو هنغاريا, لحظت مواداً خاصةً تتعلق بخصوصية البيانات الشخصية والوصول إليها أو التحكم بها. لكن الكثير من الدساتير القديمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية والهند لا تتضمن مواد صريحة حول الخصوصية, إلا أن المحاكم ورجال القانون وجدت إشارات لها في مواد أخرى من القانون. كذلك فإن الكثير من الدول سعت خلال العقود الأخيرة لتطوير قوانينها بما يتلاءم مع المعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بالخصوصية والتي وقعت عليها وأصبحت ملزمة بها مثل الميثاق الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية. وفي السبعينيات من القرن المنصرم, بدأت الدول في بقاع كثيرة من العالم بوضع تشريعات تبتغي حماية الخصوصية الفردية. ونلمس اليوم حركة عامة حول العالم تسعى لتبني قوانين شاملة حول الخصوصية تضع إطارا عاما للحماية, تعتمد في جلها على الإطار الذي قدمته منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي في أوروبا.  في العام ١٩٩٥, وإدراكا منه للقصور الملموس في دوله الأعضاء, قام الاتحاد الأوروبي بإصدار مرسوم يضمن لمواطنيه الحق في حماية أوسع لبياناتهم, وأصبح هذا المرسوم هو المعيار لوضع تشريعات محلية في دول الاتحاد لتحقيق غايته.

  • النموذج التشريعي الشامل كما هو الحال في كندا والكثير من دول الاتحاد الأوربي,  حيث تنشئ الدولة منصبا خاصا بموظف كبير مسؤول عن الخصوصية وتطبيق القوانين التي تحميها, ويسمى عادة مفتش أو مسؤول الخصوصية ويمتد عمله إلى التحقيق في الانتهاكات وإدارة العلاقات مع الدول الأخرى فيما يتعلق بالموضوع.
  • النموذج القطاعي كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تصدر قوانين تنظم الخصوصية في قطاعات معينة مثل الخصوصية المصرفية وخصوصية البيانات الصحية, لكن لا يوجد إطار قانوني شامل لحماية الخصوصية. يترك هذا الأمر ثغرات كثيرة لا تستطيع هذه القوانين الجزئية سدها.
  • التشريع الذاتي حيث يترك الأمر للشركات الخاصة التي تقدم الخدمات المختلفة بوضع معايير لحماية خصوصية مستخدميها, وهي عادة معايير غير كافية.
  • أخيرا هناك النموذج الذي يعتمد على المستخدم أو الفرد في حماية خصوصيته وبياناته ومعلوماته, مستخدم الإنترنت مثلا يمكن أن يوظف عدد من التقنيات والأدوات لحماية بياناته, لكن الثقة بهذه البيانات وفعاليتها وإمكانية حماية كل البيانات أمر يبقى مثار شك وتساؤل.

تنص دساتير أكثر من ١٣٠ دولة على مواد حول حماية الخصوصية في كل منطقة في العالم. ويعد حق حماية البيانات الخاصة أكثر عناصر الخصوصية أهمية.

هناك أكثر من مائة دولة تمتلك تشريعات خاصة بحماية البيانات. وعلى الرغم من ذلك, فأن الرقابة تفرض على المواطنين دون احترام لتلك القوانين.

أمثلة على تشريعات الخصوصية في العالم

الولايات المتحدة الأمريكية

تتطرق بعض القوانين الفدرالية ومنها قانون التأمين الصحي, وقانون المحاسبة (١٩٦٦), والتي تتعلق بالبيانات الصحيه, قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت, والتي تطبق على مواقع الإنترنت التي تجمع بيانات الأطفال دون سن الثالثة عشرة. وتمتلك بعض الولايات قوانين أكثر صرامة فيما يتعلق بالخصوصية ومنها قانون حماية الخصوصية في ولاية كاليفورنيا, وهو القانون الأول في الولايات المتحدة الذي يفرض على مواقع الإنترنت, حتى لو كانت خارج الولاية وطالما أنها تستخدم من قبل مواطنيها, بوجوب وضع سياسة للخصوصية. وعلى هذه السياسة أن تتضمن:

  • نوع البيانات الشخصية التي يتم جمعها
  • الأطراف الأخرى التي تتم مشاركة البيانات معها
  • كيف يمكن للمستخدم مراجعة وتعديل بياناته التي تم جمعها
  • كيف يتم إعلام المستخدمين بالتغييرات التي تطرأ على سياسة الخصوصية
  • تاريخ دخول السياسة حيز التنفيذ

كندا

ينظم قانون حماية المعلومات والبيانات الإلكترونية كيفية جمع وتخزين واستخدام المعلومات من المستخدم  في كندا في سياق النشاطات التجارية. ووفقا للقانون, فإنه على الشركات أن تضع سياسة الخصوصية في متناول المستخدمين والزبائن, ويجب أن تكون سياسة الخصوصية في مكان واضح يسهل العثور عليها وتتسم بالتفصيل والدقة فيما يتعلق بالبيانات التي يتم جمعها وكيفة استخدامها والتعامل معها. تمتلك كندا مفوضا للخصوصية يسهر على تطبيق القانون.

الدنمارك

أقرت الدنمارك قانون معالجة البيانات الشخصية عام ٢٠٠٠. وتقوم وكالة حماية البيانات بالإشراف على تطبيق قوانين الخصوصية. وتمتلك الوكالة صلاحيات إصدار تنبيه أو منع بحق المخالفين, أو إعلام الشرطة عن الأمر ليأخذ القانون مجراه. ووفقا للقانون فإنه يجوز جمع المعلومات الشخصية في حال موافقة الشخص فقط, ولا يحق للشركة أن تشارك المعلومات مع طرف ثالث بهدف التسويق دون علم الشخص وموافقته.

الاتحاد الأوروبي

يمتلك الاتحاد اللأوربي سياسة واضحة فيما يتعلق بحماية بيانات المواطنين الأوربين تجاه الشركات التي تجمع أو تستطيع الوصول إلى هذه البيانات, وقد صدر في أيار من ٢٠١٨ تشريعا جديدا ينظم العلاقة بين الشركات والمواطن ويضمن جملة من الحقوق له تشمل حقه في معرفة البيانات التي تمتلكها الشركات عنه, وحقه في النسيان (اي أن يقوم بحذف سجله كاملا دون عودة), ويفرض على الشركات غرامات مالية ضخمة في حال عدم الالتزام وارتكاب المخالفات.

الخصوصية وفق التشريعات  والمواثيق الدولية

تقول المادة 17 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966: ” 1)  لن يخضع أحد ما للتدخل العشوائي أو غير القانوني في خصوصيته, أو أسرته, أو مراسلاته, ولا يمكن أن يتعرض لهجوم غير قانوني على شرفه أو سمعته. 2) يتمتع جميع الأفراد بالحلق بالحماية من مثل تلك الهجمات والتدخلات.”

هناك عدد كبير من المواثيق والإعلانات والإرشادات والقرارات الدولية التي تتطرق إلى الخصوصية وخصوصية المعلومات وحرية الإنترنت بشكل أو بآخر مشيرة إلا أنها حق أساسي على المجتمع أن يصونه. فيما يلي قائمة بأهم هذه الأطر:

المشكلة مستمرة

بالرغم من وجود التشريعات إلا أن الواقع يقول بأن انتهاك الخصوصية أمر مستمر حتى في الدول الديمقراطية التي تحوي تشريعات جيدة, فغياب أدوات تطبيق هذه القوانين يشكل مشكلة كبيرة, كذلك فإنه وفي الكثير من البلدان تعطى أجهزة الشرطة والأمن صلاحيات كبيرة تفوق قوانين الخصوصية, مما يجعل الانتهاكات أمرا واسع الانتشار.

لقد شكل التسارع الكبير في تطور تكنولوجيا المعلومات حالة فريدة جعلت من القدرة على توليد وجمع وتحليل وتخزين المعلومات أمرا على غاية السهولة مقارنة بالأوقات السابقة, مما يخلق ضرورة ملحة لتطوير التشريعات لتواكب هذه القدرات للسيطرة على نقل المعلومات وتبادلها وترحالها عبر الحدود أيضا. فمع دخول الكمبيوتر في كل شيء من الطبابة إلى المواصلات والاتصالات إلى التسوق والشراء, أصبحت بيانات الأفراد في كل مكان, وأصبحت الشركات تمتلك كما هائلا من المعلومات عن زبائنها ومستخدمي خدماتها يثير القلق. كذلك فإن التقنيات التي طورت أساسا لأغراض الدفاع أصبحت تجد طريقها بسهولة كبيرة إلى أيدي قوات الشرطة والمؤسسات المدنية الأخرى مثل مؤسسات الاتصالات, كما في سوريا مثلا. أثارت هذه الحقائق قلق الناس في أنحاء العالم, وتظهر استطلاعات الرأي أن الأفراد أكثر قلقا من ذي قبل حول خصوصيتهم. لقد ساهمت العولمة التي أزالت الحدود الجغرافية, وكذلك تلاشي الحواجز التكنولوجية بين القطاعات المختلفة التي أتاحت تبادل البيانات على نحو غير مسبوق, إضافة إلى تعددية الوسائط التي دمجت أنماط مختلفة من التواصل ونقل المعلومات والبيانات بأشكالها الكثيرة, في زيادة التحديات التي تواجه الخصوصية كحق فردي, ونجد أن قدرة الإنسان على معرفة ما يحل ببياناته قد أصبحت تتلاشى.